الجاحظ

326

المحاسن والأضداد

فقال المأمون : خرف الشيخ . يوم مثل هذا ، يذكر الثواب والآخرة ، فلا يقبل الوصيفة ؛ واغتمّ إبراهيم ، وكتب إليه مع الوصيفة : لا والذي تسجد الجباه له * ما لي بما دون ثوبها خبر ولا بفيها ، ولا هممت بها ، * ما كان إلّا الحديث والنظر « 1 » فقال المأمون : « نعم الآن أقبلها » ، فقبلها . قال أبو القاسم بن أبي داود : كنت عند أحمد بن محمد العلوي ، وقد افتصد ، فخرج بعض الخدم ، ومعه طبق من فضة ، عليه تفاح طيب مكتوب حواليه بالذهب : سرّ ، الغداة ، بوجهك اللّغب ، * وجرى بيمن فصادك الطّرب وتداعت العيدان في زجل * وتناولت راحاتها النّخب فاشرب بهذا الجام يا ملكي * شربا حثيثا ، إنّه عجب واجعل لمن قد خفّ في لطف * من زوره يخشى ويرتقب ! فقال للخادم : « اخرجها إلى الستارة » ، فخرجت ، وخلا ليلته بها . وقيل : افتصد المعتصم ، وأهديت إليه « شمائل » صينية عقيق ، عليها قدح أسبل عليها منديل مطيب مكتوب عليه بالعنبر ، في كل ربع منه بيت شعر : خضب الخليفة كفّه من فصده * بدم يحاكي عبرة المشتاق تاه الفصاد فما يقام لتيهه * إذ صار مفتصدا أبو إسحاق وتوافت العيدان عند حضوره * قبّ البطون ، ذوابل الأعناق ملك إذا خطر الشّراب بباله * لبس السّرور غلائل الإشراق فلما قرأه أمر بإحضار إسحاق بن إبراهيم الموصلي ، وأمره أن يجعل له

--> ( 1 ) هذان البيتان ينسبان إلى جميل بن معمر العذري الذي تيمه حب بثينة فتغزل بها بشعر رقيق عفيف .